وقوف القرآن وأثرها في التفسير

المبحث الأول: تعريف الوقف والابتداء لغة واصطلاحاً

الوقف لغة: 

قال ابن فارس(١): ((الواو والقاف والفاء: أصل يدل على تمكثٍ في شيء، ثُمَّ ينقاس عليه)»(٢).

والوقف: مصدر وقف، وهو فعل يأتي متعديا، فيقال: وقفت الدابة، ويأتي لازما، فيقال: وقفت وقوفا(٣). 

والموقف المكان الذي تقف فيه حيث كان(٤). 

ويأتي الوقف في اللغة بمعنى الحبس، ومنه قولهم: ((وقفتُ الدابةَ)): إذا منعتها من المشي وجعلتها تقف (٥)، ومن هذا المعنى يجيء تعريف الوقف عند الفقهاء، يقال: وقفت الدار على المساكين وقفاً؛ أي: حبستها لهم(٦). 

 ويأتي الوقف بمعنى الديمومة في القيام، فيقال: وقف بالمكان وقفاً ووقوفًا: إذا دام قائما، فهو خلاف الجلوس (١). ويأتي بمعنى الإعلام، فيقال وقَّفت فلاناً على ذنبه، أطلعته عليه (٢). ووقَّفت القارئ؛ أي: عَلَّمْتُه مواضعَ الوقوفِ في القرآن (٣). والوقف في القراءة: قطعُ الكلمةِ عَّ بعدها (٤).

الوقف في الاصطلاح:

الوقف عند القُرَّاءِ نوعان:

الأول: كيفية النطق بالحرف أو الحركة عند الوقف، وخَصُّوا ذلك بأبوابٍ؛ كالوقف على أواخر الكلم، والوقف على تاء التأنيث، ووقف حمزة(٥) وهشام(٦) على الهمز. وهذا النوع ليس مراداً في هذا البحث.

الثاني: الوقف الذي يتأثر به المعنى في الآية، وهو المراد في هذا البحث. والنوع الأول متعلق بكيفية الأداء، والنوع الثاني متعلق بالمعنى من حيثُ تمامُهُ وعدمُهُ(٧). 

 وقد استعمل المتقدمون عباراتٍ تدلَّ على الوقفِ؛ كالقطعِ، والسَّكْتِ، والتمامِ(١)، وهي عندهم بمعنىً واحدٍ.

١ - ورد عن الشعبي (ت: ١٠٣) استخدام عبارة السَّكْتِ، وقد ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: ٢٦]، قال: (إذا قرأت: {كُلُّ مَنْ عَليهَا فَانٍ} فلا تسكت، حتى تقرأ: {وَيَبقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: ٢٧]»(٢). 

٢- واستعمل عبارة الوقفِ أبو عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤)، وحمزة الزيَّات (ت: ١٥٦)، وضرارُ بن صُرَد (ت: ٢٢٩)، وغيرهم، كما استعملها بصيغة الجمع شيبة بن نِصَاح (ت: ١٣٠) وأحمد بن كامل (ت: ٣٥٠ تقريباً) في كتابيهما بعنوان: الوقوف. 

٣- واستعمل أبو حاتم السجستاني (ت: ٢٥٥) - عنواناً لكتابه - عبارة: المقاطع والمبادئ، واستعملها أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨) في عنوان كتابه: القطع والائتناف.

٤- واستعمل عبارة التمام نافع بن أبي نعيم (ت: ١٦٩) في كتابه: وقف التمام، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت: ٢٠٥) في كتابه وقف التمام، وغيرهم.

وأمَّا المتأخرون فإنهم - من باب عدم المشاحَّة في الاصطلاح - حرَّروا هذه المصطلحات، وجعلوا لكلِّ مصطلح ما يدلُّ عليه مما لا يشاركه فيه الآخر. 

 قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣): ((وأمَّا عند المتأخرين وغيرهم من المحققين، فالقطع: عبارة عن قطع القراءة رأساً، فهو كالانتهاء، فالقارئ به كالمعرض عن القراءة المنتقل منها إلى حالة أخرى سوى القراءة؛ كالذي يقطع على حزبٍ، أو وِزدٍ، أو عُشْرٍ، أو ركعةٍ ثمَّ يركع، أو نحو ذلك مما يؤذن بانقضاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى، وهو الذي يُسْتعَاذ بعده للقراءة المستأنفة، ولا يكون إلَّا على رأسٍِ آيةٍ؛ لأنَّ رؤوس الآي في نفسها مقاطع.

والوقف: عبارة عن قطع الصوتِ على الكلمةِ زمناً يتنفَّسُ فيه - عادةً - بنيَّةِ القراءة: إمَّا بما يلي الحرف الموقوف عليه، أو بما قبله... لا بنيَّة الإعراض.

والسَّكْتُ: هو عبارة عن قطع الصَّوتِ زمناً هو دون زمن الوقف عادةً، من غير تنقُسٍ))(١).

وقد صار العمل عند علماء القراءة في هذه المصطلحات على هذا التقسيم. أما التمام فقد صار قسما من أقسام الوقف بعد تحدده بمصطلح المتأخرين.

ويتلخص من هذا أن الوقف عبارة عن: قطع الكلمة عما بعدها بنية استئناف القراءة(٢). 

وقد يتم المعنى على الوقف فيحسن البدء بما بعده وقد لا يتم. وهذا مبني على أقسام الوقف التي ذكرها العلماء. 

تاريخ النشر : 22/8/2026
مرات الزيارة : 10 زيارة
حجم الملف : 5.83 MB
الوسوم :
إصدارات اخرى